
التذكير وعظمة مكانته في القرآن الكريم
بقلم
مفهوم التذكير في القرآن الكريم مشتق من الجذر اللغوي العربي ذ ك ر، ويُراد به الوعظ والتنبيه والتذكير. وقد ورد هذا الجذر في القرآن الكريم في تسع عشرة صيغة مختلفة، بلغ مجموع مواضعها 292 موضعاً. منها اللفظ ذَكَرَ (73 مرة)، وذُكِرَ (11 مرة)، وذَكَّرَ (8 مرات)، وذُكِّرَ (10 مرات)، وذِكْر (76 مرة). يشهد هذا الثراء اللغوي، في حد ذاته، على المكانة العميقة التي يحتلها التذكير في التصور القرآني للعالم والإنسان.
الأكثر دلالة أن عدداً من أسماء القرآن الكريم نفسه، ومنها الذكر والتذكرة والذكرى، مشتق من هذا الجذر بعينه. وهذا يوضح أن القرآن لا يشتمل على الموعظة والتذكير فحسب، بل هو في مجمله كتاب تذكير؛ فتعاليمه جميعها مكرسة ومخصصة لأجل إيقاظ الإنسان وتنبيهه وهدايته.
القرآن كتاب تذكير. آيات مختارة:
تصف الآيات الآتية القرآن الكريم صراحة بأنه تذكير:
· ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ المدثر﴾، المدثر: 54.
· ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾، التكوير: 27
· ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾، آل عمران: 62.
· ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾، آل عمران: 138
· ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾، ص: 1
· ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾، ص: 87
· ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾، الزمر: 27
· ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾، القمر: 17، 22، 32، 40
· ﴿طه، مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى، إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾، طه: 1-3
· ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ الحاقة﴾، الحاقة: 48
· ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾، الأنبياء: 50
إلى جانب الآيات التي تشتمل على الجذر ذ ك ر، ثمة آيات كثيرة أخرى تؤكد ضرورة التذكير وأهميته. مثال على ذلك، أن للرسالة النبوية أربع وظائف أساسية: تلاوة الآيات وتعليم الكتاب وتعليم الحكمة والتزكية. وتصب هذه الوظائف جميعها في نهاية المطاف في تذكير البشرية بحقيقة وجودها، وإصلاح سلوكها.
حتى أسلوب تبليغ الرسالة الإلهية يرمي إلى تحقيق غاية التذكير. فقد وجّه الله نبيه قائلاً: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، النحل: 125. كما أُمر بأن يخاطب الناس بكلام يلمس قلوبهم ويؤثر فيها كما جاء في سورة النساء: 63: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾.
غاية التذكير ورسالته
بهذا نلمس كيف يتجلى القرآن الكريم كتاباً قائماً على مفهوم التذكير، وهدفه إيقاظ الإنسان وتنبيهه إلى الغاية من وجوده. فهو يكشف عن "خطة الله في الخلق"، ويدعو الناس إلى العيش وفق ما يرضي خالقهم. وقد بعث الله الأنبياء لإبلاغ هذه الرسالة، مبشرين بالطاعة والاستقامة ومنذرين المكذبين بما ينتظرهم من عواقب أبدية.
والمؤمنون مدعوون إلى بذل الجهد في تبليغ هذه الرسالة إلى البشرية جمعاء، حتى لا يبقى لأحد عذر يحتج به أمام الله. يُعرف هذا التبليغ بالدعوة، وأقصى ما يُبذل من جهد في سبيلها فهو الجهاد. تشكل هذه العناصر مجتمعة المنظومة التي تتحقق من خلالها رسالة التذكير القرآنية، كي يعود الناس إلى ربهم تائبين.
استلهاماً لهذا التوجيه القرآني، ألّف المسلمون تراثاً استثنائياً واسعاً في أدب التذكير، يعرف بأدب المواعظ. ولتلك المصنفات دور جوهري في تزكية النفس وإصلاح السلوك الإنساني.
شارك هذا المقال


































