
سوق الحميدية، أشهر أسواق دمشق في سوريا
البرجوازية السورية... ذاكرة النهضة وسؤال العودة
بقلم
لا يمكن لأي مجتمع أن يكون مزدهراً وسعيداً حقاً إذا كانت غالبية أفراده فقراء وتعساء.
حماية رأس المال لا تنفصل عن حماية البيئة الاجتماعية التي ينمو فيها. آدم سميث
شهدت سوريا في الخمسينات من القرن المنصرم صعوداً مهماً للبرجوازية الوطنية حيث لعبت عبر تأسيسها وتمثيلها في الأحزاب الجديدة في تلك الفترة دوراً مهماً في نهضة البلاد كما في المشهد السياسي والاقتصادي، وإلى يومنا هذا ما زلنا نتغنى بهذا الدور الإيجابي الذي مثلته في بناء الاقتصاد السوري الذي طالما كان لمنتجاته النسيجية والزراعية حضور في الأسواق العالمية. هذه النخبة البرجوازية لم تنشأ من الفراغ فقد ابتدأ ظهورها في أواخر العهد العثماني وشهدت في فترة الاحتلال الفرنسي للبلاد صعوداً ملموساً لدورها كبرجوازية وطنية معنية بالاستقلال وبدور الاقتصاد الوطني في تحقيقه. وشكل يومها رافعة اقتصادية ذات ظلال وأصداء اجتماعية وسياسية مهمة، ففي بدايات الاستقلال وتكوين الدولة الوطنية لعبت تلك القوى الاقتصادية الناشئة التي كانت متمركزة في دمشق وحلب والجزيرة السورية بشكل رئيسي، دورا مهما في تكوين الكتل والأحزاب السياسية وفي صياغة الحياة السياسية السورية أو التأثير الواضح عليها وذلك عبر كتلتي حزب الشعب في حلب والذي برز منه رشدي الكيخيا وناظم القدسي ومعروف الدواليبي، والحزب الوطني في دمشق والذي برز منه شكري القوتلي وسعد الله الجابري ولطفي الحفار. لقد كان لكلتا الكتلتين دور ملموس ومحمود في دوران عجلة التنمية الاقتصادية وفي عملية التحديث الاقتصادية آنذاك، ومن أهم ما يميز تلك البرجوازية الوطنية آنذاك أنها جاءت حصيلة لتراكم خبرات متوارثة أسست لقيم وأعراف يدين بها صناعيو وتجار وحرفيو ذلك الزمن الذهبي، وربما كانت هذه الأعراف والقيم هي من منحتهم سمة البرجوازية الوطنية التي كانت تعنى إلى جنب اهتمامها بالربح والنجاح بهموم العيش للطبقة الفقيرة والمتوسطة.
اليوم ومع نجاة سوريا من الهيمنة الأسدية التي سيطرت على مقدرات البلاد زهاء نصف قرن تبرز مسألة دور البرجوازية الوطنية المفقود حتى الآن في سوريا المحطمة وأرضها المحروقة وإنسانها الناهض من رماد البؤس والقهر الطويل، في خضم هذا الظرف الاستثنائي الذي لم تخض البرجوازية السورية في سابق عهدها تجربة مماثلة لها، يتطلع المعنيون لعودة هذا الدور وإعادة إحياء هذه الطبقة التي يمكن لها أن تساهم بشكل مباشر وكبير في دوران عجلة الاقتصاد السوري واستثمار ملايين الأيدي العاملة وخلق مئات آلاف الفرص التي سيكون لها كبير الدور في عودة الحياة الطبيعية إلى بلاد فقدت بوصلتها منذ عقود.
ومع توالي النكبات التي منيت بها سوريا بدءاً من التأميم الذي فرضه الرئيس المصري جمال عبد الناصر زمن الوحدة والذي كان بداية تفتيت الطبقة البرجوازية الوطنية ودفع الكثيرين من رموزها وروادها للهجرة خارج البلاد، وهذا ما أفضى إلى تفتيت بل وتدمير البنية الاجتماعية في سوريا، تلاها وصول حزب البعث إلى السلطة ثم استلام حافظ الأسد الذي حكم البلاد بقبضة أمنية خنقت الاقتصاد وشردت رجال المال والأعمال، ثم استمرت الأحوال بالتدهور إلى أن جاء عهد الابن الطائش فأتى على ما تبقى من برجوازية وطنية إلا من رضخ لسلطته مكرهاً للحفاظ على النذر اليسير مما تبقى، وأنتج طبقة جديدة من محدثي النعمة يدينون بالولاء المطلق لسلطته وجعل منهم أداة لنهب المقدرات وإحكام السيطرة على كل مورد حين أتمّ تحويل سوريا إلى مزرعة لآل الأسد وأركان حكمهم.

شكلت المرحلة الحرجة بين عامي 2011-2025 مناخاً استثمارياً استثنائياً استجابة لما يسمى بظروف الأزمة فظهرت طبقة من تجار الحروب والأزمات، هذه الشريحة الانتهازية لا يعنيها من عالم الأعمال إلا الربحية السريعة مهما كانت الضريبة الوطنية فادحة وهنا طفت تجارة الممنوعات التي تشكل صناعة المخدرات وتجارتها عصبها الرئيسي. بالطبع لم تخل البلاد من بقايا البرجوازية الوطنية التي كافحت حتى الرمق الأخير كي لا تترك الساحة خاوية وكانت مصرة على الالتزام بمسؤوليتها الأخلاقية في الحفاظ على آلاف البيوت والعوائل التي تعمل في كنفها كي لا تصبح عرضة لنوازل الفقر والعوز والبطالة، وعاشت تلك البقية القليلة مقصوصة الجناح ومحكومة قهراً بما تتيحه الأجهزة الأمنية وأذرعها، وكانت بحق الجندي المجهول أو الصامت في معركة البقاء.
اليوم وبعد سقوط ذلك النظام البائد ومع بدايات التحول المأمول الذي لم تظهر ملامحه بعد، نفتش عما بقي من تلك البرجوازية الوطنية وهل ستستعيد دورها الرئيسي في عملية التنمية والنهوض، سؤال قد تبدو الإجابة عنه ممكنة، لكن بعد مضي عام ونيف على التحرير لا تبدو المسألة من القضايا التي يمكن الحديث عنها دون الوقوع في شرك الأمنيات الصعبة، فللمسألة مقدماتها التي لا تبدو متاحة إلى الآن. حتى تستعيد البرجوازية الوطنية دورها وقدرتها على أن تكون رافعة عليها أن تتخلص من إرث عقود ثقيلة، فالقوانين تحتاج لإعادة إنتاج وتحديث وبالتالي تحتاج إلى مجلس تشريعي منتخب ومؤهل للقيام بمتطلبات المرحلة وهذا لا يستقيم إلا بوجود أحزاب سياسية تمثل هذه البرجوازية في المجلس التشريعي وتضمن وصول صوتها وتدافع عن حقوقها.
تقف سوريا اليوم على مفترق طرق إما أن يكون هناك اهتمام جاد من الإدارة الجديدة بتسريع العمل على تحديثات وتغييرات جادة وملحة تتيح لهذه البرجوازية الوطنية أن تستعيد دورها سواء بمن بقي طيلة السنوات الماضية مرابطاً داخل البلاد أو بتسهيل عودة من اضطرته الظروف للنجاة بنفسه والخروج منها، وهذا ليس خياراً بسيطاً يمكن أن تهبه أي سلطة قائمة لسلطة اقتصادية ربما تنافسها في رسم سياسات البلاد، بل هو قرار وطني وجريء له ما يليه من التبعات والاستحقاقات ربما يكون أولها وأهمها القبول بتقاسم مواطن النفوذ والسلطة وهذا مطلب طالما حلم به السوريون، وإما أن تفضي عمليات إعادة الإعمار التي ستستعين بشركات واستثمارات خارجية إلى نشوء قوى اقتصادية جديدة تتناغم مع إعادة توزيع السلطة والنفوذ، الأمر الذي سيضيق الفرجة على البرجوازية التقليدية ويقلص حظوظها في لعب دور رئيسي مطلوب في دوران عجلة التنمية ورأب التصدعات الاقتصادية الكبرى.
حتى الآن ما تزال مجموعات مهمة من بقايا البرجوازية الوطنية التي أسست أعمالها خارج سوريا في سنوات حكم الأسد وقدمت نماذج ناجحة، تقف مترددة تترقب وتقارب الوضع السوري بحذر شديد فالوضع السوري كما يرونه إلى الآن يفتقر إلى الاستقرار اللازم لإنجاح المبادرات المطلوبة والمأمولة. هذا الواقع الهش يدفع الغالبية من رجال المال والأعمال للمشاركة في مشاريع سريعة يمكن تغيير مساراتها إن دعت الحاجة أو تبدلت الظروف وهذا النموذج من الأعمال يحقق ربحية سريعة ومأمونة نسبياً ولا يساهم في بناء رافعة اقتصادية وتنموية مستمرة. ما يخشى منه أن تلجأ البرجوازية الوطنية وبدافع الحفاظ على المكاسب الربحية المباشرة أن تتخلى عن دورها التنموي لصالح مشاريع ربحية عاجلة وتتابع ذات الدور الذي كان سائداً زمن حكم الأسد في ممالئة السلطة السياسية والتخلي عن خوض معركة التنمية وتقديم مصلحة المواطن على مصلحة بعض متنفذي السلطة، في ظل غياب الشفافية والرقابة القانونية وهشاشة الضمانات المؤسساتية التي تكفل حياد القرار السياسي واستقلال القضاء.
في الحالة السورية التي تسلمت فيها الإدارة الجديدة بلداً منهكاً محطماً، وخزينة تعجز عن توفير الحد الأدنى من الضرورات كمرتبات الموظفين فتلجأ إلى تقليص العدد اللازم إلى الحد الأدنى الذي تعجز معه المؤسسات عن القيام بمهامها على الوجه المقبول، في هذا الظرف الضيق والصعب، تنشأ في العادة شبكات نفوذ جديدة خارج إطار دور البرجوازية الوطنية ومصالحها، ويحسم الصراع في الأغلب للشبكات الجديدة من خلال تحالفها مع مراكز النفوذ التي ستضطر إلى القبول بهذه التحالفات الرديئة بغرض تغطية بعض الاحتياجات الأساسية العاجلة والملحة.
خلاصة القول ليست قضية البرجوازية الوطنية ودورها قضية قائمة ومنفردة بذاتها، ولا يمكن تفعيلها والإفادة من دورها إلا عبر مصفوفة طويلة من توسيع فضاء الحريات والمشاركة في صنع القرار وإتاحة الحد اللازم من الشفافية وإشاعة المعلومات، وحرية الصحافة والإعلام وحرية الأحزاب واستقلال القضاء.
كل ما سلف يبدو مطلباً مشروعاً، بيد أن المقدرات المتاحة والكفاءات اللازمة والقيود الدولية والإقليمية والخصائص الذاتية للقوى الفاعلة على الأرض السورية وغياب قدرة الدولة على إدارة سوريا موحدة حتى الآن، كل هذا يجعل من دور البرجوازية السورية أملا وحلما جميلا يفتقر إلى المقومات اللازمة لحضوره كما ينبغي، هل سيسير الوضع العام باتجاه المزيد من إتاحة الممكنات وعودة الطاقات الوطنية للعب دورها والقيام بمسؤولياتها، هذا ما يرجوه جميع السوريين وطالما حلموا به. هذا الأمل يجد مبرراته التاريخية في تتبع النماذج التي نجحت في إرساء أوضاع سياسية واقتصادية مستقرة، كما يمكن ملاحظة الدور الرئيسي والكبير الذي لعبته البرجوازية الوطنية من خلال تعزيز حضورها وحمايتها بقوانين تكفل الاستقرار وتضمن الاستمرار وتحميها من الصراعات السياسية الداخلية كما تحميها من المنافسة الخارجية بشكل متوازن لا يلحق الضرر بالمستهلك المحلي. هذه القوانين تكفل العلاقة المتوازنة بين السلطة الحاكمة ورأس المال بحيث لا يكون أحدهما ضحية لسيطرة الآخر وأداة لإنفاذ مصالحه، يبقى التخوف قائماً ومجسداً بواقع نعيشه حتى اليوم من إصرار السلطة السياسية على احتكار الفضاء العام وعدم القبول بمشاركة القوى الفاعلة وفي طليعتها الكيانات الاقتصادية التي سبق ذكرها سواء بشكلها الكبير كمؤسسات وشركات كبرى أو بشكلها المتوسط كمصانع صغيرة وتجار ومزارعين متوسطين ربما يشكلون باتحادهم في نقابات أو اتحادات أو هيئات مدنية قوة ضاغطة لا تحبذ الدولة الناشئة حضورها كرقيب أو منافس، على الجانب الآخر يبقى التخوف مشروعاً من تحول الطبقة البرجوازية إلى لوبي سياسي يوظف قدراته للمزيد من المكاسب الذاتية التي لا تتفق مع الصالح العام ونصبح بذلك ضحايا صراع المصالح السياسية والمصالح الاقتصادية أو ضحايا توافقهما الانتهازي إن حصل. تبقى الحرية والتعددية السياسية والاقتصادية واستقلال القضاء والفصل بين السلطات السبيل العملي لمنع تغول الدولة أو احتكار رأس المال للقرار السياسي أو الاقتصادي وهذا ما يفتح الباب على مصراعيه أمام نهوض تنموي مأمول نحن كسوريين اليوم بأمس الحاجة إليه.
شارك هذا المقال


































